ابن بسام

378

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

روّحني عاذلي فقلت له : مه ، لا تزدني على الذي أجد أما ترى النار وهي خامدة * عند هبوب الرياح تتّقد وحكى أبو صفوان العتكي بصقلّيّة قال [ 1 ] : كان أبو إسحاق الحصري يختلف إلى بعض مشيخة القيروان ، وكان ذلك الشيخ كلفا بالمعذّرين [ من ] الغلمان ، وهو القائل فيهم : ومعذّرين كأنّ نبت خدودهم * أقلام مسك تستمدّ خلوقا قرنوا البنفسج بالشقيق ونظّموا * تحت الزبرجد لؤلؤا وعقيقا فهم الذين إذا الخليّ رآهم * وجد الهوى بهم إليه طريقا وكان يختلف إليه غلام من أعيان أشراف القيروان ، وكان به كلفا ، فبينا هو يوما والحصري قد أخذ في الحديث إذ أقبل الغلام : في صورة كملت فخلت بأنّها * بدر السماء لستة وثمان يعشي العيون ضياؤها فكأنها * شمس الضحى تعشى بها العينان فقال له الشيخ : يا حصريّ ، ما ذا تقول في من هام بهذا القدّ ، وصبا بهذا الخدّ ؟ قال له الحصريّ : الهيمان به واللّه غاية الظّرف ، والصبوة إليه من تمام اللطف ، لا سيما إذا شاب كافور [ 2 ] خدّه ذلك المسك الفتيت ، وهجم على صبحه ذلك الليل البهيم ، واللّه ما خلت سواده في بياضه إلا بياض الإيمان في سواد الكفر [ 3 ] وغيهب الظلماء في منير الفجر . فقال : صفه يا حصري ، قال : من ملك رقّ القول حتى انقادت له صعابه ، وذلّل له جموحه حتى سطع له شهابه ، أقعد مني بذلك ، فقال : صفه ، فإني معمل [ 4 ] فكري في ذلك ، فأطرقا ساعة فقال الحصري [ 5 ] : أورد قلبي الردى * لام عذار بدا أسود كالكفر في * أبيض مثل الهدى

--> [ 1 ] وردت القصة والأبيات في الشريشي 3 : 117 ، وابن خلكان 1 : 394 ( نقلا عن الذخيرة ) . [ 2 ] الشريشي : شام كافوره . ص : شيب . [ 3 ] ص : الكفران . [ 4 ] ص : فإني نعمل ؛ وهي بعامية الأندلس والمغرب . [ 5 ] ابن خلكان 1 : 55 ، 394 .